رواية : قنديل أم هاشم / يحى حقى

مرسلة بواسطة mahfoudi السبت، 24 نوفمبر، 2012

رواية : قنديل أم هاشم

تأليف : يحى حقى

الناشر: المجمع الثقافي

تمهيد:من بين الأعمال القصصية والروائية العربية العديدة التي تناولت موضوع العلاقة بين "المجتمع التقليدي" العربي والحداثة الوافدة تستوقفنا قصة يحيى حقي "قنديل أم هاشم ،إذ بدا لي أن حقي في هذه الرواية تنبه لجوانب عميقة في الموضوع لم يتنبه لها أغلب الكتاب الآخرون الذين كتبوا فيه
وكل الذين مروا مثلي بمقرر الشهادة الثانوية في سوريا يعرفون المقطع الذي يعود فيه ابن الأسرة إسماعيل من أوروبا حيث درس طب العيون فيجد أمه تقطر في عين ابنة عمه الرمداء زيتا مباركا من قنديل مقام السيدة زينب فينظر:"و فحص عينيها فوجد رمدا قد أتلف الجفنين وأضر بالمقلة فلو وجد العلاج المهدئ المسكن لتماثلت للشفاء، ولكنها تسوء بالزيت الحار الكاوي
فصرخ في أمه بصوت يكاد يمزق حلقه:-حرام عليك الأذية .حرام عليك.أنت مؤمنة تصلين ،فكيف تقبلين أمثال هذه الخرافات والأوهام؟"
هذا المقطع استشهد به في مقرر" الأدب العربي الحديث"وهو في سياق النقد الاجتماعي للخرافات والتخلف الذي قام به الأدباء ،والشخص الذي استشهد بهذا الصدام بين الطبيب وأمه يبدو أنه لم يكمل الرواية إلى أخرها وتركها مع طلاب الشهادة الثانوية لاعنا مع إسماعيل هذا الجهل والتخلف،ولعل أجيالا من الطلاب كرروا قول إسماعيل الذي جاء بعد هذا المقطع ،مع أن المقرر لم يستشهد به:"أنا لا أعرف أم هاشم ولا أم عفريت" أي أن معلومات معد المقرر والطلاب عن المرحلة التي وصل إليها تطور وعي البطل ،أو" تطور جدل التقليد والحداثة" في هذه الحالة العيانية من الوعي(كما قد يقول الفلاسفة)توقفت عند مرحلة النفي المطلق للتقليد ولن يكون ثمة مانع عند هذا المعد( أو عند الطالب النجيب النموذجي الواعي ) أن يذهب إلى القنديل ويكسره إن استطاع معرضا نفسه إلي خطر القتل على أيدي" الجماهير الجاهلة"
ولو أن هذه المرحلة كانت فعلا نهاية المطاف في مسار تغير وعي البطل لأرحنا أنفسنا والقارئ إذ أن هجاء المجتمع التقليدي و"أساطيره وأوهامه" عمل معتاد مكرر لا داعي للانتباه إليه ولهدر الوقت في الحديث عنه .ميزة قصة حقي هذه أن الأمر لم يكن كذلك كما سوف نرى بعد قليل
كتاب كثيرون تناولوا موضوع الهجرة إلى الغرب وانعكاس القيم الغربية التي تعرف عليها البطل المهاجر على بنيته العقلية والنفسية نذكر من هؤلاء توفيق الحكيم بسطحيته التي هي السمة الفكرية الغالبة عليه وبانبهاره غير المحدود بالمجتمع الفرنسي (مثلا كتبه"زهرة العمر"، "سجن العمر"،"مصر بين عهدين"،وغيرها لا تختلف منذ أن كلف الآثاري الفرنسي في "عودة الروح" بالدفاع عن الفلاح المصري) ونذكر أيضا الطيب صالح بعصابيته ومبالغاته الفاقعة في "موسم الهجرة إلى الشمال".ويلفت انتباهنا أن هؤلاء الكتاب لم يهتموا "بالقصة الكاملة"(كما قد ندعوها)لهذه المغامرة الكبرى لأبطالهم،فهم يذكرون ما جرى للبطل في أوروبا،لكنهم لا يذكرون ما جرى له بعد ذلك ،ولا ما قد يكون جرى له قبل ذلك من الممهدات للصدام الكبير مع هذا الآخر،وبطل الطيب صالح مثلا لم نجد له لا سابقا على مرحلة الهجرة ولا لاحقا أي بعد عودته أية علاقة مع مجتمعه تذكر ،بل تبقى التجربة مع الغرب سرا مخفيا لا يكشف عنه إلا في مذكرات يقرؤها الراوي بعد موته
في قصة حقي نقرأ "القصة كاملة" .فهو يخبرنا عن طبيعة علاقة البطل بالهوية(الممثلة بأهله وسكان حيه)قبل الهجرة وبعدها. وفي هذا المقال أنوي قراءة هذه القصة مع القارئ و تحليلها مذكرا بملاحظة مهمة:إني حين أقرأ رواية ما أحاول أن لا أقع في فخ معتاد يقع فيه النقاد و هو تصديق الكاتب في كل شيء فهم لا ينفكون يستخلصون عبرا من الأحداث الصغيرة و الكبيرة و كأنهم يصدقونها جميعا! أما أنا فأحاول أن لا أغفل عما يبدو لي صادقا و عما يبدو غير صادق في رواية الكتاب للأحداث، و هذا "كما أرى" هو الأسلوب الوحيد الذي يقودنا إلى منهج القراءة التأويلية غير المضللة (بفتح اللام الأولى و تشديدها) و هو المنهج الوحيد المناسب للذين يقرؤون الأدب كشهادة على الواقع الاجتماعي و الفكري و النفسي الموصوف فيه
جميع الاستشهادات من"قنديل أم هاشم" مأخوذة من: يحي حقي، قنديل أم هاشم، دار المعارف، القاهرة،سلسلة اقرأ-18،الطبعة السابعة،
1994

تحميل رواية : قنديل أم هاشم / يحى حقى

 

0 التعليقات

إرسال تعليق

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...

محرك بحث الكتاب المسموع

    Google